حسن حنفي
376
من العقيدة إلى الثورة
وجوده ولمطالبة الجماهير بالتسليم والايمان بالقضاء والقدر والترويج لمعتقدات القسمة والنصيب والحظ . تنشأ أولا كتبريرات عبقرية ممن جعلوا أنفسهم منظرين للأنظمة الاجتماعية والذين في العادة يقلبون الحق باطلا والباطل حقا كما تهوى السلطة وكما يريد النظام . وقد يقوم الافراد بذلك لمصلحتهم الشخصية لنيل الحظوة لدى الحاكم ثم تتبنى السلطة مقالاتهم للاستفادة بها على نطاق أوسع لاضفاء الشرعية على النظام وفرض الطاعة والولاء على العباد « 673 » . ثم تظهر صور المقاومة في هذه المجتمعات الضاغطة في الايمان مثلا بظهور مخلص يأتي ليخلص الناس من القهر والضغط والظلم ولينشر لواء العدل ، وهي صورة خيالية للتحرر الفعلي أو عن طريق الحركات السرية لتحقيق انتصار عن طريق الخيال والتعويض النفسي حتى يتحول الضعف إلى قوة ، والهزيمة إلى نصر . وتنشأ عند الجماهير الأخرويات أي أمور المعاد وتتخيل عالما آخر في نهاية الزمان يسود فيه العدل ويمحق الظلم . ينال فيه الجائع خبزه ، والفقير غناه ، والعاري ملبسه ، والشريد مأواه ، والمهضوم حقه ، والضعيف قوته . وهي كلها مذاهب وعقائد تدل على أن الانسان رسالة وأنه يضاد الظلم بالعدل ، والباطل بالحق ، والضعف بالقوة ، والهزيمة بالنصر . ولكنه في موقف عاجز لا يستطيع أن يقوم بالرسالة الآن بالفعل فيحولها إلى معتقدات وايمان انتظارا للفرج القريب . وفي المجتمعات المنتصرة ، ولدى سلطة واثقة من سلطانها واحساسها بأنها سلطة شرعية قامت على حق وليست بناء على اضطهاد وقمع ،
--> ( 673 ) يروى الأشعري الحادثة الآتية بين شعيب وميمون تبين وظيفة نظريات الجبر والاختيار الاجتماعية فيقول : كان لميمون على شعيب مال فتقضاه فقال شعيب أعطيكه إن شاء الله ! فقال ميمون قد شاء الله أن تعطينه الساعة . فقال شعيب لو شاء الله لم أقدر الا أعطيكه ! فقال ميمون فان الله قد شاء ما أمر وما لم يأمر لم يشأ وما لم يشأ لم يأمر ! فواضح أن ميمون يحتج بأمر الله على أخذ ماله وشعيب يحتج بأمر الله لعدم الدفع . وعندما كتبوا لعبد الكريم بن عجرد رد عليهم قائلا : أنا نقول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا يلحق بالله سوء ففسر ميمون « لا نلحق بالله سوء » كما يشاء وفسره شعيب « ما شاء الله وما لم يشأ لم يكن » على هواه ، مقالات ج 1 ص 165 - 166 .